سيد محمد طنطاوي
282
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الخاص وهو العقاب « 1 » . ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم ، وكيف أن هذه النقمة قد حلت محل نعمة كانوا فيها ، فقال - تعالى - : * ( وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً ، وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ، سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ ) * . أي : وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا بين أهل سبأ * ( وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * كمكة في الجزيرة العربية ، وكبيت المقدس في بلاد الشام ، جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة ، * ( قُرىً ظاهِرَةً ) * أي : قرى متقاربة متواصلة ، بحيث يرى من في إحداها غيرها . * ( وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) * أي : وجعلنا زمن السير من قرية إلى أخرى مقدرا محددا ، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل . وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها . وقوله : * ( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ ) * مقول لقول محذوف . أي : وقلنا لهم : سيروا في تلك القرى المتقاربة العامرة بالخيرات ، والتي توصلكم إلى القرى المباركة . . سيروا فيها ليالي وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم بالليل أم بالنهار ، فإن الأمن فيها مستتب في كل الأوقات : وفي كل الأحوال . فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم اللَّه - تعالى - بها على أهل سبأ ، وهي نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان والاطمئنان لهم خلال سفرهم ، وهي نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس الأسفار من مكان إلى آخر . ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة ، بل بلغ بهم الجهل والحمق والبطر ، أنهم دعوا اللَّه - تعالى - بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : * ( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) * . أي : مع أننا بفضلنا وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة ، ومكانهم منها ، وهي نعمة تيسير وسائل السفر ، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله . . إلا أنهم - لشؤمهم وضيق تفكيرهم وشقائهم - تضرعوا إلينا وقالوا : يا ربنا اجعل بيننا وبين القرى المباركة ، مفاوز وصحارى متباعدة الأقطار ، بدل تلك القرى العامرة المتقاربة ، فهم - كما يقول صاحب الكشاف - : بطروا النعمة ، وبشموا . أي : سئموا - من طيب العيش ، وملوا العافية ، فطلبوا النكد والتعب ، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم ، مكان المن والسلوى « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 576 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 577 .